بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين


زوجة من زوجات النبي عليهم رضوان الله تعالى هذه الزوجة ، أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث ، زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخت أم الفضل زوجة العباس ، وخالة عبد الله بن عباس وخالة خالد بن الوليد ، وكان اسمها برة فسماها النبي ميمونة .
فميمونة بنت الحارث زوج النبي تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام في ذي القعدة سنة سبع لما اعتمر عمرة القضاء ، وبنى بها عقب مرجعه من العمرة في مكان بين مكة والمدينة ، وكان الذي تولى تزويجها العباس رضي الله عنه بتوكيل منها ، وكان قد أرسل صلى الله عليه وسلم جعفراً ليخطبها له ، فأذن للعباس فزوجها منه ، روت عن النبي أحاديث كثيرة ، روى عنها ابن أختها عبد الله بن عباس ، وابن أختها الأخرى عبد الله بن شداد ، وابن أختها عبد الرحمن بن السائب ، وابن أختها الأخرى يزيد بن الصم ، وآخرون كمولاها عطاء بن يسار ، وكريب مولى ابن عباس ، وكثيرون ، روت أحاديث عن رسول الله .
كلكم يعلم أن في الحديبية حينما منع المشركون رسول الله والمؤمنون من أن يؤدوا العمرة ، واتفقوا على صلح الحديبية ، على أن يرجعوا هذا العام ، ويأتوا في العام التالي ، فهذه العمرة سُمِّيت عمرة القضاء .
أحب أهل مكة أن يعزوا أنفسهم ، فأخلوا مكة ، وتركوها لرسول الله في العام المقبل ، فأشاعوا ، وأذاعوا في أرجاء مكة أن المسلمين يعانون عسرة وجهداً ، إن تصبك حسنة تسؤهم ، دائماً الكافر يتلقى الأخبار السيئة للمؤمنين براحة ، ويتلقى الأخبار الطيبة بانزعاج ، بالمناسبة يمكن أن يكون هذا مقياسًا كبيرًا لإيمانك ، إذا أصاب أخاك المؤمن خيرٌ ارتحت له فهذه علامة إيمانك ، وإذا تضايقت فهي علامة النفاق ، المنافق إن تصبك حسنة تسؤه ، وإن تصبك سيئة يفرح بها ، هذا المنافق ، نحن عندنا قاعدة : المؤمنون كلهم لواحد ، والواحد للمجموع ، كل مؤمن لمؤمن ، والمؤمن للجميع .
وقف أهل مكة عند دار الندوة لينظروا إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، وإلى أصحابه كيف أصابهم الجهد ، وأنهكتهم العسرة ، هناك معلومات مبنية دائماً على التباعد والأوهام والأخطاء ، معلومات سيئة جداً عن أحوال المؤمنين ، فالمشركون أرادوا أن ينظروا إلى أوضاعهم الصعبة ، وعلم النبي بالخبر فقال لأصحابه الكرام : ارملوا بالبيت ليرى المشركون قوتكم ، ولما دخل صلى الله عليه وسلم اضطبع بردائه ، يعني أخرج كتفه اليمنى هذا الاضطباع في بالحج والعمرة ، أخرج عرضه اليمنى ، ثم قال : رحم الله امرؤًا أراهم اليوم من نفسه قوة ، ثم استلم الركن ، وأخذ يهرول ، ويهرول أصحابه معه ، فكان ذلك إظهاراً لقوتهم ، وتكذيباً لإشاعات المشركين .
هذا منه حكم شرعي ، فأنت لا ينبغي أن تقف موقفَ ضعفٍ أمام كافر ، لا ينبغي أن تتضعضع لإنسان كافر ، وتتذلل أمامه ، يجب أن تظهر بأعلى مظهر ، لأن لله العزة ولرسوله وللمؤمنين ، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ، ابتغ الحوائج بعزة الأنفس ، فإن الحوائج تجري بالمقادير ، كافر بعيد عن الدين شارد منغمس بالمعاصي والآثام لا يصلي رأى مؤمنًا يتذلل أمامه ، يقول : هذا دين ؟! نحن على حق ، وليس هم ، لأنك أنت حينما تذللت أمامه ضعفت مركز الدين ، أنت سفير للمؤمنين ، لما تضعضت أمامه ضعضعت مركزك ، وضعضعت مركز الدين أمامه ، وفتنت الكافر ، وأقنعته أننا أناس صغار ضعفاء مسحوقون ، وأنت قوي وفهمٌ ، رحم الله امرؤًا أراهم اليوم من نفسه قوة .
يمكن أن تشكو لمؤمن ، فإن فعلت ذلك فإنك تشتكي إلى الله ، أما إذا اشتكيت لكافر فكأنما اشتكيت على الله ، أما أن تشكو الناس إلى الله فهذا ضعف توحيد ، أما أن تشكو نفسك إلى الله فهذا محض الإيمان ، أعلى شيء أن تشكو نفسك إلى الله ، أقل من هذا أن تشكو الناس إلى الله ، أقل من هذا أن تشكو إلى مؤمن ، أقل من هذا أن تشكو همك إلى كافر .
لما دخل النبي مكة أمسك ابن رواحة خطام ناقة النبي ، وقال :


خلوا بني الكفار عن سبيله ... خلوا فكل الخير في رسوله
يا رب إنـي مؤمن بقيـله ... أعرف حق الله في قبولـه


وأقام النبي عليه الصلاة والسلام في مكة ثلاث ليال بعد العمرة ، وكان العباس قد زوجه ميمونة بمكة ، وكان لها من العمر ست وعشرون عاماً ، فعقد عليها بمكة بعد تحلله من عمرته ، وبنى بها في طريق عودته إلى المدينة ، وفي هذه العمرة نزل قوله تعالى :


((لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله امنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لاتخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا))
(سورة الفتح)


يقول كتاب السيرة : ما بقي أحد من المسلمين إلا وقد أيقن يومئذ أن يوم النصر الأكبر كاد قريباً وشيكاً ، لأن بعد عمرة الحديبية عمرة القضاء ، بعدها فتح مكة :


(( انا فتحنا لك فتحا مبينا ))
(سورة الفتح)


الناس في نشوة ، هذه المعاني من العزة والنصر والفتح ، وميمونة رضي الله عنها في نشوة سرورها ، وفرحها ، وابتهاجها بزواجها من رسول الله ، ليست قضية زواج أن تكون امرأة زوجة رسول الله ، سيد الخلق ، قمة المجتمع البشري كمالاً ، وعلماً ، وخلقاً ، وأدباً ، ومعرفة بالله ، فامرأة تكون زوجته .
بالمناسبة إذا كان لامرأة زوج مؤمن ، وضايقته فلها عند الله عقاب أليم ، لأن العلماء قالوا في قوله تعالى :


((يانساء النبي من يأت منكن بفاحشه مبينة ))
(سورة الأحزاب 30)


ما معنى الآية ؟ العلماء قالوا : زوجة النبي لو أنه ضايقته قليلاً ، أو قصرت في حقه ، أو حملته ما لا يطيق ، أو أنها طالبته بالدنيا لكان هذا عند الله فاحشة ، السيدة خديجة أين وجه عظمتها ؟ أنها كانت أكبر معين للنبي ، تكاد أن تتخلى عن حظها منه ، يسعده أن يكون في غار حراء ، وتأتيه بالطعام والشراب ، تبحث عنه ، تعينه على ما هو فيه ، وعلى ما كان يرغب ، فلذلك الآية الدقيقة :


((يانساء النبي من يأت منكن بفاحشه مبينة ))
(سورة الأحزاب 30)


إذا أساءت إلى النبي قليلاً فكأنما أتت الفاحشة ، أمّا هنّ فمنزهات ، هنّ العفيفات الطاهرات منزهات عن أن يأتين الفاحشة ، لكن الفاحشة في هذه الآية معناها إذا أسأن إلى النبي ولو إساءة طفيفة ، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام عن سيدنا الصديق : ((ما ساءني قط فاعرفوا له ذلك)) ، ((سدوا علي كل خوخة إلا خوخة أبي بكر)) ، زوجني ابنته وأعطاني ماله وما ساءني قط ، ((وما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر )) .


وعندما وصلت إلى المدينة استقبلتها نساء النبي بالترحاب والتهاني والتبريكات ، وقد اكتسبت اسمها الجديد الميمون ميمونة من تلك المناسبة الميمونة الغراء التي دخل فيها أم القرى لأول مرة من سبع سنين .
مكة بلده الذي أُخرِج منه ، وائتمر أهلها على قلته ، وكادت له ، وحاربته ثلاث حروب صعبة ، ثم أكرمه الله عز وجل ، ودخل مكة منتصراً فاتحاً ، العبرة بالنهاية ، والعاقبة للمتقين ، الأمور تدور ، يصعد أناس ، ويسقط أناس آخرون ، وفي النهاية لا تستقر إلا على تكريم المؤمن.
ودخلت أم المؤمنين ميمونة بيت النبي ، وقد اغتنمت من الدنيا نعمة الإيمان والإسلام والشرف العظيم أن أصبحت زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وبقيت ميمونة تحظى بالقرب من رسول الله كثيراً ، حتى إذا اشتد المرض برسول الله نزل في بيتها ، ثم استأذنتها عائشة بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم لينتقل إلى بيتها ليمرض حيث أحب في بيت عائشة ، فحينما مرض أول مرحلة كانت في بيت ميمونة ، والمرحلة الثانية في بيت عائشة ، ومقامه الشريف الآن هو بيت عائشة ، مكان دفنه الآن هذا بيت عائشة ، وهذه نعمة من أجلِّ النعم أن قبر النبي ثابت.
فلما انتقل عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى عاشت ميمونة رضي الله عنها حياتها بعد النبي في نشر سنته بين الصحابة والتابعين ، حيث روى عنها كثير من الصحابة والتابعين أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، كما رووا عن سائر أمهات المؤمنين رضي الله عنهن ، وفي عام الواحد والخمسين توفيت السيدة ميمونة ، ولها ثمانون سنة .
عاشت زينب بنت خزيمة ثلاثين عاماً ، وهذه عاشت ثمانين عاماً ، قال عطاء : توفيت ميمونة في المكان الذي بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج هو وابن عباس إليها فدفنوها في موضع قبتها الذي كان فيه عرسها رضي الله عنها وأرضاها .
سكنت بمكان قريب البقيع في الحج ، هذا البقيع كل الصحابة فيه ، كبار الصحابة زوجات النبي ، بنات النبي في هذه المقبرة ، النبي عليه الصلاة والسلام ربى رجالاً أبطالا ونساءً .


والحمد لله رب العالمين